الشيخ محمد رضا مهدوي كني
178
البداية في الأخلاق العملية
ثم ناوله عائشة فاستحيت الجارية . فقلت : لا تردّي يد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خذي منه . قالت : فأخذته على حياء فشربت منه ثم قال : ناولي صواحبك . فقلن : لا نشتهيه . فقال : لا تجمعنّ جوعا وكذبا . قالت : فقلت : يا رسول اللّه ان قالت إحدانا لشيء نشتهيه لا أشتهيه ، أيعدّ ذلك كذبا ؟ قال : انّ الكذب ليكتب حتى يكتب الكذيبة كذيبة » « 1 » . وقال أيضا : وقد ظنّ الظانّون انّه يجوز وضع الأخبار في فضائل الأعمال وفي التشديد في المعاصي ، وزعموا ان القصد منه صحيح وهو خطأ محض إذ قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من كذب عليّ متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار » ، ولا ضرورة هنا في الكذب إذ في الصدق مندوحة عن الكذب ، ففيما ورد من الآيات والأخبار كفاية عن غيرها « 2 » . وهكذا قد يؤدي مثل هذا التساهل في هذه الأمور التي تبدو بسيطة وتافهة ، إلى تطبع المرء على الكذب ، ومن يتطبّع على أمر ويعتد عليه ، يصبح من العسير عليه الاقلاع عنه . وكما قال الإمام الحسن العسكري عليه السّلام : « ردّ المعتاد عن عادته كالمعجز » « 3 » . اذن ولكي لا يعتاد المرء على الكذب فلا بد له من تفادي حتى الصغير من الكذب ، لكي يصبح بامكانه السيطرة على لسانه . د - قلنا انّ الكذب حرام وغير مطلوب مطلقا - عدا في حالات الضرورة والتي سنشير إليها لاحقا - ، غير انّ ما يعد من الرذائل الأخلاقية في علم الاخلاق هو الاعتياد على الكذب والتطبع عليه ، مثلما يعدّ التطبع على الصدق والتعود عليه أمرا مهما وقيما من وجهة نظر هذا العلم أيضا . بتعبير آخر : مثلما لا يعدّ قول الصدق على سبيل الاتفاق دليلا على الفضيلة والكمال ، كذلك لا يعدّ
--> ( 1 ) نفس المصدر . ( 2 ) نفس المصدر . ( 3 ) نفس المصدر ، ج 75 ، ص 374 .